
فكرت ذات مرة بادخال مشهد في أحد الأفلام، يحاول رجل أن يروي حكاية لصديق له، إلا أنه، وباستمرار، ينسى كلمة من بين كل أربع كلمات... وكانت الكلمات التي ينساها في غاية البساطة، مثل: سيارة، شارع، حارس... والرجل يتلعثم، ويتردد، ويكثر من الاشارات باحثا عن مرادفات مناسبة.. إلى أن ينفذ صبر الصديق، فيسكت الرجل بصفعة، ويمشي!. أحيانا، ولكي أحمي نفسي من مخاوفي الشخصية، أروي ضاحكا، حكاية ذلك الرجل الذي ذهب إلى الطبيب النفسي لأنه كان يعاني من نسيان كلمة "بحيرات". الطبيب النفسي طرح عليه بعض الأسئلة الروتينية العادية، ثم قال له: _ حسن،.. وما حكاية هذه "البحيرات"؟ _ أية بحيرات؟.. سأله الرجل!... هذه الذاكرة، الضرورية والعجيبة، هي أيضا هشة وسريعة العطب. إنها ليست مهددة بالنسيان، عدوها القديم، بل وأيضا بالذكريات الزائفة التي تغزوها يوما بعد يوم. مثال: خلال زمن طويل كنت أحكي لأصدقائي دائما عن عرس "بول نيزان" المثقف الماركسي اللامع خلال الثلاثينات، كان يبدو لي في كل مرة بأنني آتي إلى كنيسة"سان جرمان دي بري"، وسط الزحام، حيث أرى المذبح والخوري و "جان بول سارتر" وشاهد الزواج. في أحد أيام العام الماضي، قلت لنفسي: غير ممكن، "بول نيزان" ماركسي حقيقي وزوجته ابنة عائلة من "اللاأدريين"، ولا يمكن أن يكونا قد تزوجا في الكنيسة.. لا يمكن تصور هذا اطلاقا. فإذن؟.. هل حصل لديَ تبادل أو تداخل مع ذكرى أخرى؟.. هل أن الأمر عبارة عن ذكرى مختلفة؟ هل قمت بوضع إطار عائلي كنسي لمشهد كان أحدهم قد وضعه لي؟ لم أستطع التأكد من ذلك حتى الآن. تجتاح الذاكرة باستمرار، التصورات والأحلام، وحيث أن هناك اغواء ما لتصديق الحقيقة المتصورة، فإننا نصنع حقيقة من أكذوبتنا.
أنفاسي الأخيرة
Reviewed by general information
on
11:51 ص
Rating:
ليست هناك تعليقات: